الذهب في زمن الحرب
Thu, 12 Mar 2026
اطلع على مجموعة واسعة من المقالات الحديثة في مختلف مجالات القيادة
الذهب في زمن الحرب: لماذا يرتفع
أحيانًا… وينخفض أحيانًا أخرى؟
مع تصاعد التوترات والحرب في الشرق
الأوسط، عاد السؤال التقليدي إلى الواجهة: هل الذهب فعلًا ملاذ آمن في أوقات
الأزمات؟ الإجابة ليست بسيطة كما يعتقد كثيرون. فبينما يرتبط الذهب تاريخيًا
بفترات عدم اليقين والحروب، إلا أن الواقع في الأسواق المالية الحديثة أكثر
تعقيدًا، حيث تتداخل عوامل السيولة والدولار والتضخم وسلوك الصناديق الاستثمارية
في تحديد اتجاه الأسعار.
هذا النقاش يأتي في إطار مبادرة
“التداول الآمن” التي أطلقتها أكاديمية
الدكتور معن بالشراكة مع شركة ACY، والتي تهدف إلى نشر الوعي المالي وتوضيح
مخاطر التداول في الأسواق المالية، خصوصًا في فترات الاضطرابات الجيوسياسية.
تقلبات غير
مسبوقة في بداية 2026
الأرقام وحدها تكشف حجم التقلب في سوق
الذهب خلال الأسابيع الأولى من عام 2026.
في 1
يناير 2026 بلغ سعر أونصة الذهب حوالي 4,372 دولارًا.
لكن خلال أقل من شهر، وتحديدًا في 29 يناير، قفز السعر إلى نحو 5,600 دولار
للأونصة.
هذا يعني ارتفاعًا يقارب 1,228 دولارًا في أقل من أربعة أسابيع، أي ما يعادل زيادة تقارب 28% خلال
فترة قصيرة جدًا بالنسبة لسوق يُعتبر عادةً أقل تقلبًا من أسواق الأسهم أو العملات.
لكن الحركة لم تتوقف عند هذا الحد.
ففي فبراير 2026 دخل الذهب في مرحلة تصحيح قوية، ليتراجع السعر إلى حوالي 4,500 دولار
للأونصة.
ومع تصاعد التوترات العسكرية في
المنطقة، ارتفع السعر مرة أخرى ليقترب من 5,400
دولار ليلة اندلاع الحرب، قبل أن يتراجع خلال يومين فقط إلى حدود 4,990
دولار.
هذه التحركات تعني أن الذهب تحرك في
نطاق يزيد عن 1,100 دولار
خلال أسابيع قليلة، وهو نطاق تقلب استثنائي حتى بمعايير سوق المعادن الثمينة.
لماذا يتحرك
الذهب بهذه السرعة؟
السؤال الحقيقي ليس لماذا يتحرك
الذهب، بل لماذا يتحرك بهذا العنف. لفهم ذلك، لا بد من النظر إلى مجموعة من
العوامل الاقتصادية والمالية التي تؤثر في السوق في الوقت نفسه.
1. التوترات الجيوسياسية
تاريخيًا، ترتفع أسعار الذهب في أوقات
الحروب وعدم الاستقرار السياسي. السبب بسيط: المستثمرون يبحثون عن أصول تحافظ على
قيمتها عندما تهتز الأسواق.
لكن المفارقة أن الذهب لا يرتفع
دائمًا فور اندلاع الحرب. في كثير من الأحيان يكون المستثمرون قد اشتروا الذهب قبل
الحرب تحوطًا، ثم يبدأ بعضهم بالبيع عند حدوث الحدث نفسه.
2.
قوة الدولار
الذهب يُسعَّر عالميًا بالدولار
الأمريكي، لذلك فإن قوة الدولار تؤثر مباشرة في سعره.
مع بداية التوترات الأخيرة ارتفع مؤشر
الدولار (DXY) من حوالي 97.86
نقطة
إلى قرابة 99.24 نقطة
خلال أيام قليلة.
وعندما يقوى الدولار، يصبح الذهب أكثر
تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ما يضغط على الطلب ويحد من ارتفاع الأسعار.
3.
تسييل المراكز
في أوقات الأزمات، تسعى المؤسسات
المالية الكبرى إلى زيادة السيولة. لذلك تقوم بعض الصناديق الاستثمارية ببيع جزء
من مراكزها في الذهب أو المشتقات المرتبطة به للتحول إلى النقد بالدولار.
هذه العملية تُعرف في الأسواق باسم تسييل
المراكز (Liquidation)، وهي قادرة على دفع الأسعار إلى الهبوط حتى
في ظل وجود مخاطر جيوسياسية.
4.
جني الأرباح
عندما يرتفع الذهب مئات الدولارات
خلال فترة قصيرة، يبدأ بعض المستثمرين بجني الأرباح.
فعلى سبيل المثال، الارتفاع من 4,372 دولارًا إلى 5,600 دولار خلال أقل من شهر يوفر مكاسب كبيرة للمستثمرين الذين دخلوا
السوق مبكرًا. ومن الطبيعي أن يقرر جزء منهم الخروج مؤقتًا من السوق.
5.
تأثير المشتقات المالية
الكثير من المتداولين اليوم لا يشترون
الذهب المادي، بل يتعاملون مع العقود الآجلة أو عقود الفروقات (CFDs).
هذه الأدوات المالية تضخم حركة
الأسعار، لأن المتداولين يستخدمون الرافعة المالية، ما يجعل التقلبات أكثر
حدة صعودًا وهبوطًا.
التضخم
والطاقة… العامل الخفي
من العوامل المهمة التي تدعم الذهب
على المدى الطويل مخاطر التضخم.
رغم أن معدل التضخم في الولايات
المتحدة تباطأ إلى حوالي 2.4%، إلا أن التوترات الجيوسياسية قد تعيد
الضغوط التضخمية.
مع بداية الحرب ارتفع خام برنت
من حوالي 82 دولارًا للبرميل
وسجل في بعض الجلسات ارتفاعات يومية بين 5%
و 7%.
كما شهدت عقود الغاز الطبيعي
ارتفاعات تجاوزت 10–15% منذ
بداية الأزمة.
وإذا تجاوز سعر النفط مستوى 95-100 دولار للبرميل، فقد ينعكس ذلك مباشرة على تكاليف
النقل والطاقة والإنتاج، وهو ما قد يعيد التضخم إلى الارتفاع عالميًا.
الذهب ليس خطًا
مستقيمًا
كل ما سبق يوضح حقيقة مهمة: الذهب ليس
خطًا مستقيمًا.
الحروب قد تدفعه إلى الارتفاع، لكن
قوة الدولار، تسييل المراكز، وجني الأرباح قد تضغط عليه في الوقت نفسه. ولهذا
السبب نشهد أحيانًا ارتفاعًا حادًا يتبعه هبوط سريع.
الخلاصة
الذهب يظل أحد أهم الأصول الدفاعية في
النظام المالي العالمي، لكنه ليس ضمانًا للربح السريع.
في فترات الحروب والأزمات، تصبح
الأسواق أكثر تقلبًا، وتتحرك الأسعار بسرعة نتيجة تفاعل عوامل متعددة: السيولة
العالمية، قوة الدولار، التضخم، وأسواق الطاقة.
لذلك فإن الرسالة الأساسية التي تؤكد
عليها مبادرة “التداول الآمن” هي أن فهم
المخاطر وإدارة رأس المال أهم بكثير من محاولة توقع الحركة التالية للسوق.
فالأسواق قد تكون فرصة للمستثمر طويل
الأجل، لكنها قد تتحول بسرعة إلى بيئة خطرة جدًا للمتداولين قصيري الأجل، خصوصًا
في زمن الحروب.
Thu, 12 Mar 2026
Thu, 18 Dec 2025
Wed, 08 Oct 2025
شارك من خلال تعليق